أحمد بن أعثم الكوفي
365
الفتوح
صاحب سقلية من كلامه أقبل المسلم على الترجمان فقال : قل له عني : إني أراك قد بغيت في كلامك ، والبغي منقصة وشؤم ومصرعة وحتم ، ونحن نرجو أن يدال عليكم ببغيكم ، ونحن قوم لا نرى القتل سبة ولا الموت عارا ، والقتل إلينا أحب إلينا من الخمر إليكم . قال : فبينا المسلم يكلم صاحب سقلية بهذا الكلام ونحوه وإذا بطريق منهم قد أشرف من جدار القصر وقال : أيها العربي ! قد أكثرت علينا من كلامك ولكن من يبارزني منكم ؟ فقال له المسلم : يبارزك أدنانا رجلا وأضعفه في نفسه ، قال : فغضب البطريق من ذلك وقال : يا كلاب ! وفيكم من يبارزني ! ثم إنه بادر ونزل ، فخرج من باب القصر وفي يده سيف له مشطب ودرقة مذهبة ، وعليه قباء حرير ويلمق ديباج ، قال : فبرز إليه رجل من أهل إفريقية واختلفا بضربتين ، ضربه الإفريقي ضربة على أم رأسه فسقط البطريق قتيلا ، ثم وقف عليه الإفريقي فجعل يسلبه وصاحب سقلية مع بطارقته ينظرون إليه ، ثم وقف الإفريقي ونادى بأعلى صوته : من يبارزني ؟ قال صاحب سقلية : من هذا منكم ؟ فقال له المسلم : هذا رجل من أهل إفريقية وقد كان من خدمكم ، فمن الله عز وجل عليه بالاسلام فأسلم ، وقد رأيت ما فعل بصاحبكم ، فكيف لو برز إليه رجل من حزبنا . قال : فنزل صاحب سقلية من قصره مغموما ، وخرج المسلمون من المراكب فأغاروا على أطراف سقلية ، فسبوا وغنموا ، ثم أخرجوا مجانيق كانت معهم فنصبوها على حصونهم ورموهم رميا متداركا ، ورزق الله عز وجل المسلمين من اعتدال حجارة مجانيقهم وقصدها لحصون الكفار وقصورهم شيئا عجيبا ، قال : ورمت الروم بالعرادات فلم يكن لعراداتهم نكاية . قال : وقهرهم المسلمون حتى أحجزوهم في دورهم وقصورهم . قال : فعندها خرج صاحب سقلية من قصره ، واجتمع إليه أهل مملكته بأجمعهم فعطعطوا ونفخوا في البوقات ، وأظهروا ما قدروا عليه من آلة السلاح ، قال : وصف المسلمون صفوفهم وأظهروا سلاحهم ، واقتحمت الروم على ميسرة المسلمين وكشفوهم وثبتت الميمنة والقلب ، فقاتلوهم ساعة ثم رجعت ميسرة المسلمين إلى موضعها ، ودامت الحرب بينهم يومهم ذلك ، فقتل من الفريقين جماعة ، ثم افترقوا وذلك وقت المساء ، حتى إذا مضى من الليل بعضه أغار المسلمون على قراهم